ابن الجوزي

163

زاد المسير في علم التفسير

والثالث : أنهم ظنوا به حين خرج إلى الحديبية أنه سيقتل أو يهزم يقول ولا يعود ظافرا . والرابع : أنهم ظنوا أنهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة واحدة عند الله . والخامس : ظنوا أن الله لا يبعث الموتى . وقد بينا معنى " دائرة السوء " في براءة . وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله : ( ليؤمنوا بالله ورسوله ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : " ليؤمنوا " بالياء " ويعزروه ويوقروه ويسبحوه " كلهن بالياء ، والباقون : بالتاء ، على معنى : قل لهم : إنا أرسلناك ، لتؤمنوا وقرا علي بن أبي طالب : وابن السميفع : " ويعززوه " بزاءين . وقد ذكرنا في الأعراف معنى " ويعزروه " عند قوله : ( وعزروه ونصروه ) . قوله تعالى : ( ويوقروه ) أي : يعظموه ويبجلوه . واختار كثير من القراء الوقف هاهنا ، لاختلاف الكناية فيه وفيما بعده . قوله تعالى : ( ويسبحوه ) هذه الهاء ترجع إلى الله عز وجل . والمراد بتسبيحه هاهنا : الصلاة له . قال المفسرون : والمراد بصلاة البكرة : الفجر ، وبصلاة الأصيل : باقي الصلوات الخمس . قوله تعالى : ( إن الذين يبايعونك ) يعني بيعة الرضوان بالحديبية . وعلى ماذا بايعوه ؟ فيه قولان : أحدهما : أنهم بايعوه على الموت ، قاله عبادة بن الصامت . والثاني : على أن لا يفروا ، قاله جابر بن عبد الله . ومعناهما متقارب ، لأنه أراد : على أن لا تفروا ولو متم . وسميت بيعة ، لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة ، وكان العقد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنهم بايعوا الله عز وجل ، لأنه ضمن لهم الجنة بوفائهم . ( يد الله فوق أيديهم ) فيه أربعة أقوال : أحدها : يد الله في الوفاء فوق أيديهم . والثاني : يد الله . في الثواب فوق أيديهم . والثالث : يد الله عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة ، ذكر هذه الأقوال الزجاج . والرابع : قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم ، ذكره ابن جرير ، وابن كيسان . قوله تعالى : ( فمن نكث ) أي : نقض ما عقده من هذه البيعة ( فإنما ينكث على نفسه ) أي : يرجع ذلك النقض عليه ( ومن أوفى بما عاهد عليه الله ) من البيعة ( فسنؤتيه ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر ، وأبان عن عاصم : " فسنؤتيه " بالنون . وقرأ عاصم ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : بالياء ( أجرا عظيما ) وهو الجنة . قال ابن السائب : فلم ينكث العهد منهم غير رجل واحد يقال له : الجد بن قيس ، وكان منافقا .